الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
279
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الأمر ، أي باشره . فالمعنى : وإن تلوا القضاء بين الخصوم ، فيكون راجعا إلى قوله : أَنْ تَعْدِلُوا ولا يتّجه رجوعه إلى الشهادة ، إذ ليس أداء الشهادة بولاية . والوجه أنّ هذه القراءة تخفيف تَلْوُوا نقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها فالتقى واوان ساكنان فحذف أحدهما ، ويكون معنى القراءتين واحدا . وقوله : فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً كناية عن وعيد ، لأنّ الخبير بفاعل السوء ، وهو قدير ، لا يعوزه أن يعذّبه على ذلك . وأكّدت الجملة ب « إنّ » و « كان » . [ 136 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 136 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 136 ) تذييل عقّب به أمر المؤمنين بأن يكونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه ، فأمرهم اللّه عقب ذلك بما هو جامع لمعاني القيام بالقسط والشهادة للّه : بأن يؤمنوا باللّه ورسله وكتبه ، ويدوموا على إيمانهم ، ويحذروا مسارب ما يخلّ بذلك . ووصف المخاطبين بأنّهم آمنوا ، وإردافه بأمرهم بأن يؤمنوا باللّه ورسله إلى آخره يرشد السامع إلى تأويل الكلام تأويلا يستقيم به الجمع بين كونهم آمنوا وكونهم مأمورين بإيمان ، ويجوز في هذا التأويل خمسة مسالك : المسلك الأول : تأويل الإيمان في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بأنّه إيمان مختلّ منه بعض ما يحقّ الإيمان به ، فيكون فيها خطاب لنفر من اليهود آمنوا ، وهم عبد اللّه بن سلام ، وأسد وأسيد ابنا كعب ، وثعلبة بن قيس ، وسلام ابن أخت عبد اللّه بن سلام ، وسلمة ابن أخيه ، ويامين بن يامين ، سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يؤمنوا به وبكتابه ، كما آمنوا بموسى وبالتوراة ، وأن لا يؤمنوا بالإنجيل ، كما جاء في رواية الواحدي عن الكلبي ، ورواه غيره عن ابن عباس . المسلك الثاني : أن يكون التأويل في الإيمان المأمور به أنّه إيمان كامل لا تشوبه كراهية بعض كتب اللّه ، تحذيرا من ذلك . فالخطاب للمسلمين لأنّ وصف الذين آمنوا صار كاللقب للمسلمين ، ولا شكّ أنّ المؤمنين قد آمنوا باللّه وما عطف على اسمه هنا ، فالظاهر أنّ المقصود بأمرهم بذلك : إمّا زيادة تقرير ما يجب الإيمان به ، وتكرير استحضارهم إيّاه حتّى لا يذهلوا عن شيء منه اهتماما بجميعه ؛ وإمّا النهي عن إنكار الكتاب المنزّل على